محمد أحمد خلف الله
79
الفن القصصي في القرآن الكريم
الفن ومسائله وإلا أفسد هذا التباين على القاص غرضه . ولذا تعتبر القضايا التاريخية المغرقة في القدم والتي تجهل تفاصيلها جهلا يكاد يكون تاما أحسن ميدان لهذا النوع من القصص إذا أردنا للخلق الفني الانطلاق من القيود والانفلات من الحدود والتمتّع بالحرية التامة الشاملة . والأمثلة التي نستطيع أن نضربها كثيرة متنوعة فلدينا من أحداث التاريخ أحداث كثيرة استغلها قاصّون كثيرون وقد كان لكل منهم حريته في تصوير الحادثة وخلق الشخوص وقد يكفي في هذا المقام أن نذكر كليوبترة وكيف استغل كل من شكسبير وبرنارد شو وشوقي موقفها من أنطونيو في تصوير قصته . وقد يكفي كذلك أن نذكر من أسماء القاصّين الذين استغلوا التاريخ اسم والتر سكت لنعرف كيف كان يتصرف في التاريخ فلقد كان هذا الرجل يعمد إلى إحياء التاريخ الأوسط وكان يرى فيه مجالا خصبا لإرسال الخيال وخلق القصص ومن هنا لم يلتزم الصدق والدقة بل كثيرا ما كان يخلق شخوصا من العدم وينطقها بما يشاء من أقوال كما كان يذكر أحداثا لم تقع ويصوّرها الصورة التي يرى أنها تحدث الأثر المطلوب . لكن الوصول بنا إلى هذه المسألة يوقعنا في حيرة ويعقّد المسألة أمامنا ويجعل من الشاق العسير أن نستخلص ما في القصة من صور صادقة عن الأحداث الماضية ويجعل ما في القصة من قيم تاريخية مجال الشك إن لم يكن الرفض ذلك لأن الباحث لن يستطيع أن يعلم في يقين أين من الحقائق المذكورة ما أفرغ فيه الكاتب خلجات نفسه وأين منها ما خلقه خلقا لتتّسق له الصورة وأين منها ما اكتفى فيه برواية الصادق الأمين . إن استخلاص الحقائق التاريخية من الأقاصيص يتوقف على معرفتنا لمدى تلك الحرية التي تمتع بها القاص أثناء تصويره الأحداث وتحريكه للأشخاص وتصويره للبيئة وإنطاقه كل هذا بما يوائم الفن ويلائم الحرية ويجري مع الخلق الأدبي في مضمار واحد حتى النهاية وإنه لأمر شاق عسير . نعم نستطيع أن نفترض أن دراسة الأحداث التاريخية والوقوف عليها من كتب التاريخ ييسر الأمر ويسهّل السبيل ويصل بنا إلى ما نريد من تحديد وتقدير لما في القصص